الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

20

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

معنى قوله : ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا والإشارة بقوله ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا إلى الحكم المتقدّم ، وهو قوله : فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ إلى قوله : أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ باعتبار ما اشتمل عليه من التوزيع على حسب العدل . وإفراد اسم الإشارة باعتبار المذكور كقوله تعالى : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً . و أَدْنى بمعنى أقرب ، وهو قرب مجازي أي أحقّ وأعون على أن لا تعولوا ، و « تعولوا » مضارع عال عولا ، وهو فعل واوي العين ، بمعنى جار ومال ، وهو مشهور في كلام العرب ، وبه فسّر ابن عباس وجمهور السلف ، يقال : عال الميزان عولا إذا مال ، وعال فلان في حكمه أي جار ، وظاهر أنّ نزول المكلّف إلى العدد الذي لا يخاف معه عدم العدل أقرب إلى عدم الجور ، فيكون قوله : أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا في معنى قوله : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فيفيد زيادة تأكيد كراهية الجور . ويجوز أن تكون الإشارة إلى الحكم المتضمّن له قوله : فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أي ذلك أسلم من الجور ، لأنّ التعدّد يعرّض المكلّف إلى الجور وإن بذل جهده في العدل ، إذ للنفس رغبات وغفلات ، وعلى هذا الوجه لا يكون قوله : أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا تأكيدا لمضمون فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا ويكون ترغيبا في الاقتصار على المرأة الواحدة أو التعدّد بملك اليمين ، إذ هو سدّ ذريعة الجور ، وعلى هذا الوجه لا يكون العدل شرطا في ملك اليمين ، وهو الذي نحاه جمهور فقهاء الأمصار في ملك اليمين . وقيل : « معنى ألا تعولوا » أن لا تكثر عيالكم ، مأخوذ من قولهم عال الرجل أهله يعولهم بمعنى مالهم ، يعني فاستعمل نفي كثرة العيال على طريق الكناية لأنّ العول يستلزم وجود العيال ، والإخبار عن الرجل بأنّه يعول يستلزم كثرة العيال ، لأنّه إخبار بشيء لا يخلو عنه أحد فما يخبر المخبر به إلّا إذا رآه تجاوز الحدّ المتعارف . كما تقول فلان يأكل ، وفلان ينام ، أي يأكل كثيرا وينام كثيرا ، ولا يصحّ أن يراد كونه معنى لعال صريحا ، لأنّه لا يقال عال بمعنى كثرت عياله ، وإنّما يقال أعال . وهذا التفسير مأثور عن زيد بن أسلم ، وقاله الشافعي ، وقال به ابن الأعرابي من علماء اللغة وهو تفسير بعيد ، وكناية خفيّة ، لا يلائم إلّا أن تكون الإشارة بقوله : ذلِكَ إلى ما تضمنه قوله : فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ويكون في الآية ترغيب في الاقتصار على الواحدة لخصوص الذي لا يستطيع السعة في الإنفاق ، لأنّ الاقتصار على الواحدة يقلل النفقة ويقلّل النسل فيبقي عليه ماله ، ويدفع عنه الحاجة ، إلّا أنّ هذا الوجه لا يلائم قوله : أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ